وهبة الزحيلي
287
التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج
بهذه الآيات ، منبها إلى أن تلك الأحكام المتقدمة من بيان أموال اليتامى وأحكام الأزواج وأحوال المواريث هي حدود اللّه أي فرائضه ومقاديره وأحكامه التي جعلها اللّه قانون الأسرة في شأن اليتامى والرابطة الزوجية وقسمة المواريث بين الورثة بحسب قربهم من الميت واحتياجهم إليه وفقدهم له عند عدمه . هي حدود اللّه وأحكامه فلا تعتدوها ولا تجاوزوها ، ولا يصح لمسلم أن يتخطاها ومن يطع اللّه باتباع ما شرعه من الدين وأنزله على رسوله الكريم ، ويطع الرسول باتباع ما بلّغ به عن ربه من أحكام وآيات ، فطاعة الرسول طاعة للّه : مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ اللَّهَ [ النساء 4 / 80 ] ، من يطع اللّه ورسوله يدخله جنات تجري من تحتها الأنهار ، ونحن نؤمن بها ونعتقد أنها أرفع من كل نعيم في الدنيا ، وأن الطائعين خالدون فيها ، وذلك هو الفوز العظيم : وهو الظفر والفلاح الذي لا يماثله فوز في الدنيا . ومن يتعدّ حدود اللّه ويعص اللّه ورسوله ويتجاوز حرمات اللّه يدخله نارا وقودها الناس والحجارة ، وهم خالدون فيها ، ولهم عذاب مقترن بالإهانة والإذلال ؛ لأنه ضادّ اللّه في حكمه ولم يرض بما قسم اللّه وحكم . وفرق عظيم بين خلود أهل الجنة حيث يتمتعون بالنعيم الدائم والأنس مع بعضهم ، وبين خلود أهل النار حيث يذوقون أشد العذاب مع إيحاش النفوس ونفرتها كما قال تعالى : وَلَنْ يَنْفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي الْعَذابِ مُشْتَرِكُونَ [ الزخرف 43 / 39 ] . وأما عصاة المؤمنين فيعذبون في النار بقدر ذنوبهم ، ثم يخرجون إلى الجنة ، والعصيان الموجب للعذاب هو المقترن بتعمد المعصية والإصرار عليها ، كما قال تعالى : بَلى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ ، فَأُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ [ البقرة 2 / 81 ] . أما المذنب الذي تورط في المعصية ، ثم لام نفسه